منتديات طلاب جامعة ابو بكر بلقايد تلمسان الجزائر


منتديات طلاب جامعة ابو بكر بلقايد تلمسان الجزائر
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» عضو جديد هل من مرحب
الأربعاء يوليو 16, 2014 3:30 am من طرف bibo_rev

» استفسار عاجل
الخميس يوليو 11, 2013 5:18 pm من طرف messi13

» الأسبوع الولائي للقرءان الكريم
الأحد أبريل 21, 2013 8:55 pm من طرف doudou

» اين انتم يا منظمات واين انتم يا مسؤولين ..........اكتشفو مادا يحصل للطالبات المقيمات بمليحة حميدة منصورة 1 تلمسان
الخميس مارس 07, 2013 6:28 pm من طرف meriem13

» بحث عن استاذ جيد عملا و خلقا
الإثنين نوفمبر 19, 2012 11:45 pm من طرف omar_1434

» تسريب أسئلة ماجستير السياسات المقارنة من رئيس المشروع إلى صديقه؟؟
الخميس نوفمبر 15, 2012 8:54 pm من طرف رزقي جبايلي

» المواهب الفدة المخفية في الجامعةا
الخميس أكتوبر 04, 2012 12:20 pm من طرف doudou

» THE BAD BEHAVIOURS BETEEN THE STUDENTS
الخميس أكتوبر 04, 2012 11:59 am من طرف doudou

» استفسار عاجل
الثلاثاء أغسطس 14, 2012 9:06 pm من طرف أبوهمام الجزائري

عدد الزوار
Free Counters

شاطر | 
 

 الإطار ألمفاهيمي لفلسفة العلوم " الابستومولوجيا"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مزوار محمد سعيد
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ


عدد المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 10/02/2011
العمر : 28

مُساهمةموضوع: الإطار ألمفاهيمي لفلسفة العلوم " الابستومولوجيا"    الأربعاء أكتوبر 19, 2011 4:45 pm


الإطار ألمفاهيمي لفلسفة العلوم " الابستومولوجيا"
مقدمة:
لو نظرنا في جهة محددة للمعارف فسنجد العلم، و لو التفتنا ناحية الجهة المقابلة فسنجد الابستمولوجيا و عليه سنترك لألكسندر كويري ، الإختصاصي الأكثر شهرة في ميدان الدراسات التاريخية لتطور العلم ، صلاحية تحديد أهمية وضرورة هذا الشكل من أشكال آلات المعارف و الدراسات على اختلاف طرقها و مضامينها و مدى تعاطينا مع مصداقيتها و جدواها.
لماذا تاريخ التفكير العلمي؟..
” إن تاريخ التفكير العلمي كما أفهمه ، وأجبر نفسي على ممارسته ، يهدف إلى فهم صيرورة هذا التفكير داخل حركة نشاطه الخلاق ذاتها. وبهذا الصدد فإن من الضروري موضعة الإنجازات المدروسة في وسطها الثقافي والروحي ، وتأويلها تبعا للعادات العقلية وسلم الأفضليات والمكروهات لدى كتابها أنفسهم. لا بد من مقاومة المحاولة التي يسقط فيها كثير من مؤرخي العلم ، تلك التي تحول الفكرة الغامضة غالبا وغير الذكية ، بل والمتناقضة لدى القدماء إلى فكرة سهلة التناول ، وذلك بترجمتها إلى لغة عصرية توضحها ، لكنها تشوهها في نفس الآن: إذ بالعكس من ذلك ، ليس هناك أفضل من دراسة البراهين المختلفة لنفس المبرهنة والمنجزة من طرف : أرشيمديس وكافالييري وروبرفال وباروو.
ومن الجوهري أيضا أن ندخل في تاريخ تفكير علمي ما الطريقة التي كان يفهم بها هو نفسه ، ويتموضع بها في علاقته بالتفكير السابق له والمصاحب له. إننا لا يمكننا التقليل من أهمية مجادلات مفكر مثل ” كولدن ” أو ” تاكي ” ضد ” كافالييري ” و ” توريشيلي ” ، وسيكون من الخطر عدم إجراء دراسة عن قرب للطريقة التي يقدم بها ” واليس ” أو ” نيوتن ” أو ” ليبنتز ” تاريخ اكتشافاتهم الخاصة ، أو إهمال النقاشات الفلسفية التي أججتها تلك الاكتشافات.
يجب أخيرا دراسة الأخطاء والكبوات بنفس الاهتمام الذي ندرس به النجاحات؛ فأخطاء شخص مثل ” ديكارت ” أو ” جاليلي ” ، وإخفاقات شخص مثل ” بويل ” أو ” هوك ” ليست فقط ذات أهمية تكوينية ، وإنما هي أيضا كشف بالصعوبات التي كان من الواجب الانتصار عليها ، والعوائق التي كان لا بد من تجاوزها.
وإذا كنا قد عايشنا أزمتين أو ثلاثة أزمات عميقة متعلقة بطريقتنا في التفكير ـ ” أزمة الأسس ” و ” اختفاء المطلقات ” الرياضية ، الثورة المرتبطة بنظرية النسبية والثورة الكوانتية ـ ، وإذا كنا قد عاصرنا عملية تدمير لأفكارنا القديمة ، وحاولنا التكيف مع الأفكار الجديدة ، فإننا أكثر تأهيلا ممن سبقونا لفهم أزماتهم والمجادلات التي قامت حولها.
أظن أن عصرنا مؤهل بشكل خاص لهذا النوع من الأبحاث، كما هو مؤهل لتعليم يخصص له تحت عنوان : تاريخ التفكير العلمي. إننا لم نعد نعيش في عالم الأفكار النيوتونية ، و لا أيضا الماكسويلية ، ونتيجة لذلك فنحن مؤهلين لتأملها من الداخل والخارج على السواء، وكذا لتحليل بنياتها واكتشاف أسباب إخفاقها ، كما أننا مسلحين بشكل يمكننا من فهم معنى الخصومات القروسطوية حول مكونات الامتداد [ هو مشكل الانتقال إلى الحد (النهائي) الذي طرحه كافالييري خصوصا بالصيغة التالية : هل يمكن القول بأن الخط يتكون من نقط والمساحة من خطوط . . . إلخ ؟ .. ويتعلق الأمر بمشكلة قديمة شكلها الأول المعروف هو نقيضة زينون الإيلي ] و ” عرض الأشكال ” ، وتطور بنية التفكير الرياضي والفيزيائي خلال القرن الأخير، وذلك في جهوده لخلق أشكال جديدة من التفكير العقلاني وعودته النقدية للأسس الحدسية والمنطقية والأكسيوماتية لصلاحيته”.

ألكسندر كويري
” دراسات في تاريخ التفكير العلمي “
جاليمار 73 ص ص : 14 – 15.


تعريف الإبستمولوجيا:
تعني الإبستمولوجيا اشتقاقيا ” دراسة العلم ” ، وهي ابتكار جديد كفرع من فروع الدراسات الفلسفية ، ويبدو أن لا ضرورة لهذا المبحث ؛ ففي عصرنا يتم تقديم العلم لكل واحد منا باعتباره مجموعة واضحة ، منظمة ومنسجمة من النتائج التي تفرض ذاتها علينا كحقائق، وإذا قبلنا بدون فحص ، تعريفا كهذا للعلم ، فإننا لن نستطيع أن نفهم لماذا يتحتم اعتبار العلم موضوعا للدراسة؛ فقانون سقوط الأجسام ، متى تم التوصل إلى المعادلة الرياضية المعبرة عنه ، ومتى تم التأكد منه تجريبيا عن طريق ( جهاز نيوتن للسقوط الحر ) ، بحيث يضحي قانونا عاما ، فإنه لا يستدعي بعد ذلك أية تعاليق أو أبحاث أخرى.
ومع ذلك ، فالعلم لا يعطينا ـ ما عدا في المقررات الدراسية التي هي بالضرورة بيداغوجية ودوغماطيقية ـ طابع اليقين والموضوعية المطلقين دائما : فلا وجود لنظرية علمية تقوم على مبادئ مصاغة بشكل دقيق ومنسجمة فيما بينها، و لا يهتم العلم بما إذا كان من الممكن أن تعرف كل مناهج الاكتشاف والتجربة بدون نقد سابق ذي علاقة بموضوعها. وأخيرا ، فإن النتائج التي يستخلصها العالم من بحث علمي ما ، وكذا التعميمات التي يقوم بها انطلاقا من اكتشاف ما ، هي دائما أبعد من أن تكون مؤسسة ، وإنه لعلى هذه المستويات الثلاث من البحث العلمي تحتل أولا الإبستمولوجيا مكانتها ، مما يمكن من تعريفها بأنها الدراسة النقدية لمبادئ العلوم ومناهجها ونتائجها: ” إن معرفة الواقعي ـ كتب جاستون باشلار ـ هي نور يلقي دائما ، وفي مكان ما بعض الظلال ” [ " تكوين الروح العلمية " ص 13] ، إن هذه الظلال هي التي تستخدم الإبستمولوجيا النقدية لاكتشافها وإماطة اللثام عنها.
غير أنه يوجد شكل ثان من الإبستمولوجيا يمكن أن نسميه بكل بساطة بالإبستمولوجيا التكوينية Constitutive : حيث إن العمل النقدي للإبستمولوجيا لا يبدأ فقط عندما ينتهي العلم ، إنه ليس عمل فيلسوف العلم خاصة ، إذ إنه يعلن عن ذاته أيضا أثناء عملية الصياغة ذاتها للنظرية ، هذه الإبستمولوجيا التكوينية هي مرتبطة بشكل جوهري بالممارسة العلمية : فلم يكن بمستطاع جاليلي مثلا أن يصوغ قانون سقوط الأجسام ما لم يكن ، وبشكل مواز ، قد قام بنقد المفهوم الأرسطي ل ” الجاذبية ” وأسس أيضا الديناميكا المعاصرة على أساس مفهوم جديد للحركة.
إن الدراسة النقدية للعلم ، والتي تمثلها الإبستمولوجيا ، بعيدة عن أن تكون سلبية بشكل خالص ، وعن أن تؤدي بنا إلى الشك ؛ فهي تظهر كمساهمة ضرورية وكعمل مجد بالنسبة للعمل العلمي.
وتأسيسا على ما سبق وقيل ، فإننا نرى على أن الإبستمولوجيا تنتمي في آن واحد إلى كل من الفلسفة والعلم : إنها تنتمي للفلسفة باعتبارها دراسة للفكر والبحث العلميين ( الفيلسوف هنا يلاحظ عمل العالم لمعرفة خصوصية المعرفة العلمية وما يميزها عن الحس المشترك ) ، وتنتمي إلى العلم باعتبارها تدعي القيام بدراسة علمية للعلم ، والقدرة على تحقيق صرامة مشابهة لصرامة العلم فيما يخص بناء مفاهيمه وطرق استدلاله ، إن لم يكن بنفس موضوعية العلم ذاته ، وأيضا باعتبار رغبتها في أن تكون معيارا لصلاحية مفاهيمه ومناهجه ، بل ونتائجه أيضا.
ولو أن هذه التعددية في اهتمامات الإبستمولوجيا شكلت غالبا نقطة اصطدام في ما بين الفلاسفة والعلماء ، فإنها سمحت بإدراك أن الإبستمولوجيا ليست مبحثا موحدا أو واحدا ، وإنما هو مبحث شديد التنوع بالنظر لتنوع مقترباته : والدليل على ذلك هو استنادها لمباحث جد مختلفة وغالبا علمية لممارسة إجراءاتها؛ ألن يدهشنا كون موسوعة للإبستمولوجيا يمكن أن تتضمن عناوين مختلفة لها من قبيل ” منطق الاكتشاف العلمي ” ، ” الأسس الفلسفية للفيزياء ” ، ” العلم والمجتمع ” ، ” مساهمة في تحليل نفسي للمعرفة الموضوعية ” ، ” عناصر تاريخ الرياضيات ” . . . الخ.
إننا نرى بفعل هذا التعداد البسيط أن الإبستمولوجيا مبحث متعدد الأشكال ، وأنه تبعا للحاجة يقدم على أنه ” منطق ” ، ” فلسفة المعرفة أو نظرية للمعرفة ” ، ” علم اجتماع ” ، ” علم نفس ” ، ” تاريخ ” . . . الخ.
سنلامس في بحثنا هذا كل هذه المقاربات ، وأهمية كل واحدة منها ستقاس بمدى خصوبتها ، ومن اللائق أن نفرد مكانا خاصا على حدة لتاريخ الفكر العلمي : هذا المبحث الذي هو مبحث حديث ، لا يستجيب فقط لشغف بالوقائع أو أفكار الماضي ، وإنما وأيضا ، وفي الغالب ، لأهداف التنقيب والاكتشاف والبيداغوجيا.
للاكتشاف : لأننا نرى جيدا وغالبا علماء يصعدون مجرى التاريخ والعصور للكشف عن / أو لتأكيد مبادئ علمهم ، أو لاكتشاف سند تاريخي لهذه المبادئ ( إنها حالة نعوم شومسكي مؤسس علم اللغة العقلاني ) .
للبيداغوجيا : لأن ما يدرس من العلم ليس في غالب الأحيان إلا نتيجة المحاولة والأخطاء المصححة.
إذا كان من غير الممكن التقليل من قيمة ما يسميه ج.باشلار ( العلم المدرَس ) والذي يمكن التلميذ ، بفضل بساطته وصوريته الرائعة غالبا ، باقتصاد المراحل الطويلة التي كان على العلم أن يقطعها لكي يكتمل بناؤه ، فإنه سيكون مثمرا أن المتعلمين كالمعلمين يستطيعون تقديم العلم لا كمجموعة نتائج موضوعية ونهائية بشكل مطلق توفرت من حقيقة لا تاريخية مجهولة ، غباء القرون الأولى هو الذي حال وحده دون اكتشافها مبكرا، ولكن كما هو في الواقع ؛ أي بحث يقود نحو الخطأ أكثر مما يقود نحو الحقيقة ، تلك الحقيقة التي لم تكتمل أبدا ، والتي عليها تجاوز عوائق هي متجددة على الدوام.
من جهة أخرى ، يملك تاريخ العلم صلاحية توضيح أن الأبحاث ، كالاكتشافات العلمية ، هي دائما مرتبطة بتصور للعالم محدد تاريخيا ، وأنه بالعكس ، لا تظهر الثورات العلمية أبدا إلا كنتيجة لقطائع تخص هذه التصورات عن العالم ذاتها.
ضرورة الإبستمولوجيا:
إذا كانت الإبستمولوجيا النقدية ، كما هو شأن الإبستمولوجيا التكوينية ، تبدو اليوم كضرورة ، وإذا كان العلماء ، وكذا الفلاسفة ، منذ وجد العلم ، عن وعي منهم أو بدونه ، لم يتوقفوا عن ممارستها ؛ فذلك لأن المعرفة الإيجابية ، أي تلك التي ننظر إليها كما لو كانت نهائية و لا يمكن المساس بها ، بمقدار ما لا يمكن أيضا أن تكون في يوم من الأيام موضوع تساؤل أو إعادة بناء على قواعد جديدة ، هي أبعد عن أن تكون كل المعرفة العلمية التي ليست حقلا مغلقا ، وإنما هي على العكس من ذلك مجال مفتوح بشكل واسع أمام عمليات الدحض والتفنيد.
إن روبير بلانشي يعبر بامتياز عن هذه الفكرة في النص التالي، وسنكتفي بإضافة مثالين بسيطين لهذا النص : ففي نهاية القرن الأخير ، تم إخضاع الميكانيكا النيوتونية للتساؤل عن طريق تجارب ونظرية معينين يبدوان على الأقل متناقضين معا ، إلى حد أن أدى ذلك إلى خلق ما سمي تاريخيا بـ ” أزمة الفيزياء “. ونحن نعلم من جهة أخرى أن القرن 19 كله اتسم بصراع بلا هوادة بين نظريتين متناقضتين حول التطور ، وأنه لم يتم التخلي عن إحدى هاتين النظريتين إلا مؤخرا ـ وهي النظرية اللاماركية ـ لصالح النظرية الأخرى ، أي النظرية الداروينية. لا يجب أن يقودنا هذان المثالان نحو تشاؤمية جذرية ، باسكالية بمعنى من المعاني ، تشاؤمية تزيح عن العلم إمكانية ” المعرفة المؤكدة ” : إن اكتشافا ما أو نظرية علمية ليسا أبدا ، وبشكل تام مكذبين ، عندما يتم اختبارهما بشكل كاف عن طريق الزمن والتجربة ، ولكنهما دائما خاضعان لعملية إعادة النمذجة والتكوين ليتم إدراجهما ، بصفتهما معرفة خاصة ، في مجموع أوسع من المعارف ، ومهمة الابستمولوجيا هي أيضا المساهمة في إعادة البناء تلك للمعرفة.
Œ لا وجود لمعرفة موضوعية بشكل تام.
“ . . . إن العلم ذاته هو أبعد ما يكون عن أن يكون علميا بشكل كلي، متى ما كانت هذه الكلمة تعني معرفة موضوعية بإحكام، معرفة لا تدع أي مجال للاعتراض. إننا لا نلمح هنا للعديد من المشاكل التي لم تحل بعد، والتي تشكل بالنسبة لكل حقبة تاريخية، ميدان البحث العلمي. إننا نريد أن نقول بأنه تبعا للطريقة ذاتها التي يضع بها العالم بعض المشاكل ويعالجها، يجد نفسه غارقا ـ طوعا أو كرها ـ في أسئلة بادية خصائصها وسماتها الفلسفية. إنه لا يوجد ـ اللهم إلا إذا كانت المسألة تشوقا لتحقيق مثال ما ـ علم ” إيجابي ” بشكل تام وكلي ، علم تقصى منه كل مناظرة ذات طبيعة فلسفية ، علم يتوصل بصدده العلماء الأكفاء إلى إجماع حقيقي ، علم لا يظل مشكوكا فيه وبالنسبة له ، إلا المشاكل اللحظية التي لا يمكن آجلا حلها بواسطة مناهج من شأنها أن تسكت أي نزاع ، عن طريق تطبيق مبدأ : لنحسب ولنلاحظ ! “.
روبير بلانشي : الإبستمولوجيا
PUF 1972
ص: 123

.الإبستمولوجيا : دراسة المبادئ.
المبادئ الميتافيزيقية:
يقوم كل علم على مبادئ غير مبرهن عليها ، وذلك إما بشكل ضمني أو صريح ، ويقبلها العالم كبديهيات : وأولى اهتمامات الإبستمولوجيا النقدية هي إخضاع هذه المبادئ ذاتها للفحص النقدي.
ولتوضيح هذه المسألة اخترنا المثال الآتي نظرا لبساطته النسبية ، وهو يتعلق بدراسة الحركة. في هذا الميدان الفيزيائي يمكن الإشارة إلى عالمين بارزين هما : أرسطو ( 384 ـ 322 ق.م ) والذي استمر تأثيره في أوربا حتى القرن 16 . وجاليلي ( 1564 ـ 1642 ) والذي يعتبر مؤسس الميكانيكا الكلاسيكية . وستبين قراءة نصوصهما كيف أن نظرياتهما مؤسسة على مفاهيم وتصورات للطبيعة تتجاوز بعموميتها الميتافيزيقية إطار موضوعهما العلمي الخالص.
أ‌. أرسطو أو فيزياء الكيفيات:
للحركة المحلية (= ما يؤدي بشيء ما لتغيير مكانه ) بالنسبة لأرسطو ، بادئ ذي بدء ، علة داخلية (= تقيم بداخل الجسم الذي هو في حالة حركة ) ، وهذا ما يميز نظريته عن نظرية الفيزياء الكلاسيكية التي انشغلت بوصف الظواهر ، أكثر مما انشغلت بالبحث عن أسبابها : لقد قرر أرسطو أن كل الأشياء تنحو وتنزع من تلقاء ذاتها نحو ” مكانها الخاص ” (= مكانها الأصلي ) ، وهكذا تنحو الأجسام الثقيلة نحو الأسفل ( الأرض ) ، وتنحو الأجسام الخفيفة نحو الأعلى ( السماء ) . والأجسام التي لا تتواجد في مكانها الطبيعي ليست ثقيلة أو خفيفة إلا بالقوة ( حيث يمكن أن تصعد إذا كانت خفيفة أو تنزل إذا كانت ثقيلة)، وليست هي كذلك بالفعل ( ولن تستطيع أن تحقق طبيعتها ) إلا عندما تلتحق بمكانها الأصلي.
وبجانب هذه العلة الذاتية للحركة (= المرتبطة بطبيعة الأشياء وبجوهرها وماهيتها ، ومن هنا ارتباطها بميدان الضرورة ) ، يميز أرسطو علة خارجية (= غير مرتبطة بذاتية الأشياء) : فوضعية الأجسام الثقيلة غير الساقطة ، والأجسام الخفيفة غير الصاعدة ، ليست إلا وضعية متأتية عن عائق يعوق حركتها الطبيعية ( فيمكن مثلا الاحتفاظ بتمثال معلق بواسطة عمود . . . إلخ) . إن العلة العرضية للحركة هي تلك التي تقصي هذا العائق أو تلك التي تعارض الحركة الطبيعية ( فعل إطلاق حجر وتركه يسقط أو رميه في الفضاء).
سنلاحظ من خلال قراءتنا للنص التالي أن هذه النظرية المتأتية عن الحس المشترك ، والتي تتوصل مع ذلك إلى تفسير مجموع الظواهر الملاحظة بصورة متماسكة ، تستند بشكل كلي على عدة مبادئ :
- مبدأ جوهري ( الجوهر ) يعزو علة الحركة إلى بعض الخصائص الذاتية للأجسام: فالأجسام تسقط لأنها ثقيلة. و لا يحدد هذا المبدأ فقط كل فيزياء أرسطو ، وإنما أيضا كل الفلسفة الأرسطوطاليسية. إن الخاصية الذاتية أو الجوهرية تفسر كل شيء : الرخام بارد بسبب ” برودته ” ، العبد عبد بسبب ” عبوديته ” . . . إلخ.
- مبدأ غائي: بفضله نعتبر كل الأشياء، طبيعية كانت أم اصطناعية، موجودة بغرض تحقيق غاية معينة (=هدف): ورقة الفاكهة لحماية الفاكهة، المنشار من أجل النشر. . إلخ.
- مبدأ كوسمولوجي: (= يحدد نظرة منظمة للكون ) وفق هذا المبدأ لكل شيء في الطبيعة مكانه ووظيفته المحددين مرة واحدة وبشكل نهائي. هكذا يتم تصور الحركة كمعبر بين حالتين أو شكلين من أشكال الوجود : أي العبور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل ، وكل شيء بالنسبة لأرسطو يوجد في مكانه وإليه يعود.
 2.تصعد الأجسام أو تسقط حسب نزوعها الطبيعي.
” لنبحث لماذا تتحرك الأجسام الخفيفة والأجسام الثقيلة نحو مكانها الطبيعي؟ .. إن سبب هذه الظاهرة هو أن الثقيل والخفيف هما بالطبع والجوهر محددين أحدهما بالأسفل والآخر بالأعلى. إن الأجسام خفيفة أو ثقيلة بالقوة وبأشكال متعددة: ( . . . ) إن جسما في الحالة السائلة ليس خفيفا بداهة إلا بالقوة. وفي الحالة الغازية هو ليس كذلك أيضا إلا بنفس الصورة ( لأنه من الممكن أن يحال دونه والصعود ) ، لكن إذا ما أزيح هذا العائق ، فإننا سنراه خفيفا بالفعل، ما دام سيوجد في الأعلى. وهكذا أيضا، فإن الكيفية بالقوة تصبح كيفية بالفعل ـ كما أن ملكة المعرفة تتحول إلى معرفة في حالة إذا لم يكن هناك ما يعارضها ـ والكمية تتحول بنفس الطريقة.
إن إزاحة مقاومة العائق للحركة هي بمعنى من المعاني سبب الحركة، وهي بمعنى آخر ليست كذلك ، مثلا : إن من يقوض عمودا أو ينتزع ثقلا من على قربة هوائية في الماء ليس إلا سببا عرضيا للحركة ، مماثلا لكون أن رامي الكرة هو سبب حركة هذه الأخيرة ، وليس الحائط الذي يعكس حركتها.
إن أيا من هذه الأجسام لا يتحرك من تلقاء ذاته، وهذا بديهي، إنها ( الأجسام ) تمتلك في ذاتها مبدأ للحركة ليس فعالا ولكنه منفعل، ليس من أجل الحركة أو إنتاجها، ولكن لتلقيها. وبما أن كل الأجسام موضوع الحركة هي متحركة إما بحركة ناشئة عن عنف مضاف إلى طبيعتها ، وإما بحركة طبيعية ، وما دامت الأجسام الأوائل متحركة كلها بواسطة سبب غريب عنها ، في حين أن الأجسام الثواني ، سواء كانت متحركة أو غير متحركة من تلقاء ذاتها ، تتحرك هي أيضا بواسطة سبب خارجي ـ وهكذا تحدث حركة الأجسام الخفيفة والأجسام الثقيلة التي تتمثل أصول حركتها في العلة المولدة والفاعلة لخفتها أو ثقلها ، أو في العلة التي تزيح العائق والحائل دون حركتها ـ ، فلكل حركة إذن علة خارجية غريبة”.
أرسطو ـ الفيزيقا VIII ، 4ـ28ـ29.
ب‌. جاليلي أو فيزياء الكميات:
لقد رأينا مع أرسطو كيف يمكن أن تقود مبادئ مغلوطة نحو معارف مغلوطة ، ومن المثير الوقوف على أنه يمكن أحيانا أن يصاغ قانون علمي بصورة صحيحة انطلاقا من مبادئ هي أكثر قابلية للتنازع والاعتراض.
وهناك مثالا على ذلك : في النص الموالي ، يفسر جاليلي ( 1564 ـ 1642 ) كيف اكتشف أن الأجسام تسقط تبعا لحركة متسارعة بانتظام، هذا الاكتشاف الذي هو نتيجة ملاحظة أمبريقية (= مؤسسة على التجربة ) ( ويمكن لأي شخص أن يرى بعينيه أنه كلما سقط جسم ما من مكان أكثر علوا ، كلما كانت سرعته أكبر عند الوصول) من جهة ، ونتيجة استنتاج منطقي من جهة أخرى ، انطلاقا من مبدأ ميتافيزيقي يقول : إن الله أو الطبيعة ” تحب ” اليسر والبساطة. وهذا دليل على أن العلم ، وحتى العلم الأفضل ( جاليلي هو مؤسس الفيزياء المعاصرة) ، لا يمكن أن يستغني عن الافتراضات.

سنلاحظ أن المبدأ الذي تقوم عليه الفيزياء الجاليلية هو في نفس الآن منبع ومصدر الاكتشاف ، وحد يرسم حدود المعرفة : فهو مصدر للاكتشاف لأن جاليلي استنبط منه إمكانية التعبير الرياضي عن القوانين الفيزيائية عموما ، وهو حد للمعرفة ؛ لأن هذا المبدأ يحرم ويحظر توضيح الظواهر المعقدة والمركبة ( اعتقد جاليلي أن الكواكب ترسم مدارات دائرية بدعوى أن الدائرة والخط المنحني المغلق هما الأكثر بساطة).
تحب الطبيعة القوانين البسيطة.
” إن التفكير ، أو إن شئنا ، الاتجاه العقلي لدى جاليلي ليس رياضيا خالصا ، إنه فيزيائي ـ رياضي. لقد انطلق جاليلي بدون شك من فكرة متصورة مسبقا ، لكنها تشكل عمق فلسفته الطبيعية ، وهي أن قوانين الطبيعة هي قوانين رياضية ، وأن الواقعي يجسم الرياضي. أليس لدى جاليلي أيضا مسافة بين التجربة والنظرية . إن النظرية، المعادلة، لا تنطبق على الظواهر الخارجية، إنها ” تنقذ ” هذه الظواهر، إنها تعبر عن جوهرها. إن الطبيعة لا تجيب أبدا إلا على أسئلة مصاغة بلغة رياضية؛ ذلك لأن الطبيعة هي مملكة القياس والنظام، وإذا كانت التجربة تقود هكذا ( كشخص يقودك بشد يدك ) المحاكمة العقلية والاستدلال ، فإنه في التجربة الممارسة بإحكام ، أي على مسألة موضوعة بشكل جيد ، تكشف الطبيعة جوهرها العميق والذي لا يستطيع تفهمه إلا المثقف العارف بالأمور.
يخبرنا جاليلي بأنه ينطلق من التجربة ، ولكنها ليست ” التجربة ” الخالصة للحواس ، هذا المعطى الذي عليه أن يطابقه أو يلائمه مع التعريف الذي يبحث عنه ، إنها ليست شيئا آخر سوى القانونين الوصفيين ـ قانونا علامات ـ السقوط واللذين هما في حوزته مسبقا.
يخبرنا جاليلي أيضا أنه منقاد بواسطة فكرة البساطة ( . . . ) بساطة واقعية إن صح التعبير، تطابق داخلي مع الطبيعة الجوهرية للظاهرة المدروسة.
هذه الظاهرة الواقعية هي الحركة، وجاليلي لا يعرف كيف تحدث ، و لا كيف ـ وتحت تأثير أية قوة ـ يحدث التسارع ( . . . ) كيفما كان الأمر، فإن المسألة تتعلق بظاهرة واقعية، بظاهرة تحدثها الطبيعة واقعيا، الأمر الذي يعني حدوثها بفعل شيء يحدث في الزمن.
إن الحركة قبل كل شيء هي ظاهرة زمنية ، إنها تحدث في الزمن ، وانطلاقا من الزمن سيحاول جاليلي أن يعرف جوهر الحركة المتسارعة، ليس بعامل المسافة المقطوعة ؛ فالمسافة ليست إلا ناتجا ، ليست إلا حادثة سير ، ليست إلا علامة على حقيقة جوهرية زمنية.
إننا لا يمكننا، وتلك حقيقة، تخيل الزمن، وكل تمثيل بياني سيقارب دائما خطر الانزلاق إلى هندسة مبالغ فيها. غير أن المجهود المسنود للعالم من طرف الفكرة المتصورة والمتفهمة لخاصية الاستمرارية في الزمن، يمكنه وبدون خطر، أن يرمز إليه بالمسافة. إن الحركة ذات التسارع المنتظم ستكون إذن كما ستكون بالعلاقة مع الزمن.
إن كون جاليلي استطاع ، أو عرف ، كيف يتجاوز كل تمثيل تجسيدي لنمط حدوث الحركة أو التسارع ( قوة جاذبية . . . إلخ) مكنه من الحفاظ على توازنه في هذه الحدود الضيقة كحدود شفرة ، أو إنه في فعل الحركة يلتقي كل من الواقعي والرياضي”.
ألكسندر كويري : دراسات جاليلية
ص ص : 57 ـ156


الإبستمولوجيا : دراسة المناهج
نقد المناهج ـ ويجب أن نفهم من هذا اللفظ بطبيعة الحال ، معنى الدراسة النقدية ، وليس التشهير أو القدح ـ يبدو في ميدان الإبستمولوجيا على صورتين :
1. صورة فلسفية بشكل أكثر خصوصية: ويتعلق الأمر في نفس الآن بوصف للمسعى العلمي عموما ، أو لمنهجية علمية خاصة ( حيث يبين الفيلسوف من وجهة نظره كيف يمارس العالم علمه) وبموقف حول وسائل امتلاك المعرفة ، حيث يستطيع إبستمولوجي معين على سبيل المثال وصف نشاط العالم بألفاظ عقلانية ( حيث يوضح الدور المركزي للعقل في اختيار وبناء الوقائع العلمية ) ، أو بألفاظ تجريبية ( حيث سيحاول حينذاك أن يبرهن على أن كل المعارف الموضوعية هي مستخلصة من التجربة ، أي من المعطيات المحسوسة ) ، وبنفس الطريقة سيتخذ موقفا حول طبيعة المعرفة. هذا النمط من الإبستمولوجيا الذي يأنف بعض الإبستمولوجيين أن يسميه إبستمولوجيا ، ينحدر من نظرية المعرفة أو Gnoséologie ، وبهذا المعنى نعتبرهم إبستمولوجيين أولئك الذين نسميهم ” الفاعلون الكبار ” في الفلسفة الكلاسيكية كأرسطو وديكارت وكانط وهوسرل ، وبعض ابستمولوجيين المعاصرين أمثال جاستون باشلار. وما عدا هذا الأخير ، نستطيع أن نقول إن خطأهم الذي يؤدي أحيانا إلى النظر إليهم باستخفاف من طرف من يسمون بـ ” الإبستمولوجيين الحقيقيين ” هو محاولتهم إنشاء نظرية عامة للمعرفة بدون أي اعتبار للمشاكل الجزئية المطروحة داخل كل ميدان معرفي خاص ، وهو تعريفهم لهذه النظرية انطلاقا من تعميمات مبكرة مستخلصة من علم خاص ( التاريخ الطبيعي بالنسبة لأرسطو ـ الرياضيات بالنسبة لديكارت ـ الفيزياء بالنسبة لكانط ـ المنطق بالنسبة لهوسرل)
. 2. صورة أخرى ما فوق ـ علمية (تستخدم مفاهيم تعميمها أكبر من تعميم المفاهيم العلمية الخالصة) بشكل أكثر خصوصية : ويتعلق الأمر بتعريف أو تأسيس لمنهج ما ، ويستهدفان بالنسبة للعالم توجيه أبحاثه أو جعلها مشروعة. هذا النوع من الدراسة يشكل حقيقة جزءا مما أسميناه ” الإبستمولوجية التكوينية ” ، في حين الدراسة الأولى والأكثر نزوعا نحو نظرية المعرفة ، ترتبط أكثر بالإبستمولوجيا النقدية. ومع ذلك فإن مدرسة بكاملها من الإبستمولوجيين ذوي المشارب الأمبريقية والوضعية مكونة أساسا من مناطقة ( حلقة فيينا المؤسسة سنة 1929 من طرف موريتز شليك ) أجهدت و لا تزال تجهد نفسها في صياغة قواعد منطقية ( ومنها جاء إسم الوضعية المنطقية اللصيق بهذا التيار) لمنطق قابل للتطبيق على مجموع العلوم. محاولة التوحيد هاته للغة العلم ، وليس للعلوم ذاتها بطبيعة الحال ، تسمى “النزعة الفيزياوية ” لأنها تقترح التعبير عن المفاهيم البيولوجية ومفاهيم علم النفس والاجتماع وغيرها بقضايا لغة الفيزياء من جهة ، وتفرض ربما على كل العلوم منهجا مشابها لمنهج الفيزياء : ولو أن هذا ليس هم العلماء كلهم ، فإن هذه الإبستمولوجيا هي حقا تكوينية على المستوى الذي تفرض فيه على العلم منهجا علميا معينا تعتبره متمتعا بالشرعية. سنعطي هنا أسفله مثالين لهذين النوعين من الإبستمولوجيا باعتبارها دراسة للمناهج. بالنسبة للنوع الأول من الإبستمولوجيا سنرى كيف يمكن أن يوصف المنهج في العلوم الفيزيائية بطريقة متعارضة كليا من طرف كل من ديكارت ونيوتن.
 الأول بإرادته الانطلاق من المبادئ نحو النتائج يستعمل منهجا استنتاجيا قبليا ( مؤسسا على الحدس أي على المعرفة المباشرة بواسطة العقل لا على التجربة)،
 أما الثاني ، والذي أعجبه أن يعيد النظر ، وبدون سخرية ، في قسمة خصمه الرفيع ديكارت للقواعد إلى أربعة قواعد أساسية ، فادعى على العكس إمكانية الاستخلاص الكلي لقوانين الطبيعة من التجارب الحسية، لكي يصعد هكذا من حتى يصل إلى المبادئ العامة التي تحكمها، أي باتباع منهج استقرائي بعدي. إن العقلانية الديكارتية تستخلص منهجيتها من الرياضيات ؛ ففي علوم الطبيعة تلعب المبادئ المعروفة عن طريق الحدس دور الأكسيومات ، والقوانين التي يمكن استنتاجها منها هي مشابهة للمبرهنات. أما النيوتونية ، وعلى العكس من ذلك ، فإن المنهج الخاص بعلوم الطبيعة يعتبر كما لو كان مختلفا بشكل جذري عن الرياضيات ، ما دامت التجربة حسب نيوتن ، وليس الحدس ، هي التي من المفروض أن تقود خطواتنا دون أن يكون من الضروري اللجوء إلى الحدس بصياغة فرضيات : وهذا هو معنى قولة نيوتن المشهورة : ” أنا لا أضع الفرضيات “.
المنهج الاستنتاجي في أربعة قواعد.
” … بدل هذا العدد الهائل من المبادئ المكونة للمنطق ، اعتقدت أنه يمكنني الاكتفاء منها بالمبادئ الأربعة التالية ، آملا في أنني سأتخذ قرارا قاطعا وثابتا في أنني لن أهمل ولو مرة واحدة ملاحظة أي منها.
الأولى : أن لا أتلقى على الإطلاق شيئا على أنه حق ما لم أتبين بالبداهة أنه كذلك ، أي أن أعنى بتجنب التعجل والتشبث بالأحكام السابقة ، وأن لا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل لعقلي في وضوح وتميز لا يكون لدي معهما أي مجال لوضعه موضع الشك.
والثانية : أن أقسم كل واحدة من المعضلات التي أبحثها إلى عدد من الأجزاء الممكنة واللازمة لحلها على أحسن وجه.
والثالثة : أن أرتب أفكاري ، فأبدأ بأبسط الأمور وأيسرها معرفة ، وأتدرج في الصعود شيئا فشيئا حتى أصل إلى معرفة أكثر الأمور تركيبا ، بل أن أفرض ترتيبا بين الأمور التي لا يسبق بعضها بعضا بالطبع.
والأخيرة : أن أقوم في جميع الأحوال بإحصاءات كاملة ومراجعات عامة تجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئا. إن هذه السلاسل الطويلة من الحجج البسيطة والسهلة التي تعود علماء الهندسة استعمالها للوصول إلى أصعب براهينهم ، أتاحت لي أن أتخيل أن جميع الأشياء التي يمكن أن تقع في متناول المعرفة الإنسانية ، تتعاقب على صورة واحدة ، وأنه إذا تحاشى المرء أن يتلقى ما ليس منها بحق على أنه حق ، وحافظ دائما على الترتيب اللازم لاستنتاجها بعضها من بعض ، فإنه لا يجد بين تلك الأشياء بعيدا لا يمكن إدراكه ، و لا خفيا لا يستطاع كشفه. ولم أجد كبير عناء في البحث عن الأمور التي يجب الابتداء بها ، لأنني كنت أعرف من قبل أن الابتداء إنما يكون بأبسط الأشياء وأسهلها معرفة. ولما رأيت أن بين الذين بحثوا من قبل عن الحقيقة في العلوم لم يستطع أحد غير الرياضيين أن يهتدي إلى بعض البراهين ، أي إلى بعض الحجج اليقينية والبديهية ، لم أشك أبدا في أن ذلك لم يتيسر لهم إلا بطريق الأمور التي عالجوها ، ولم أؤمل منها فائدة أخرى سوى تعويد عقلي مؤالفة الحقائق البديهية ونبذ الحجج الباطلة”.
رونيه ديكارت ، المقال في المنهج 1637
الجزء الثاني ترجمة : جميل صليبا بيروت 1970.



الإبستمولوجيا : نقد النتائج.
لكل بحث علمي نزوع إمبريالي : فغالبا ما لا نعتقد أو نتوقع أنه يمكن لعلماء ممتازين أو حذرين في ميدان أبحاثهم الخاصة ، تبعا لاكتشاف علمي في ميدان محدد من ميادين العلم ، أن يدعوا إمكانية مد وتمطيط اكتشافاتهم خارج الحدود التي تحد فيها هذه النتائج تطبيقاتها، وهناك مثلا معروفا : وهو تمديد قوانين ” مندل ” إلى نقل موهبة موسيقية ، وراثية زعما ، في كنف عائلة ج.س. باخ . وإذا كنا قد اخترنا لتوضيح هذا المثال صفحة من مقرر القسم النهائي D ، فلا يجب الاعتقاد بأن هذا النوع من التعميمات شبه العلمية هو وقف على مؤلفي هذا المقرر أو وقف على علماء من الدرجة الثانية. إن المؤلفين المذكورين هنا لديهم ضمانة يوفرها لهم عدد كبير من البيولوجيين وعلماء النفس الذين لا يعدمون شهرة مستحقة مقابل أبحاث جادة ، و لا من الشهادات التي هي إقرار بهذه الشهرة. لنذكر هنا على سبيل المثال ريبو وجالتون وجان روستان ، وإن كانت وضعيته أحيانا أكثر تفردا.
بقراءتنا للنص أسفله ، والذي ينزع نحو تطبيق قوانين مندل على انتقال الموهبة أو الملكة الموسيقية ، فإن القارئ يستطيع بنفسه وبسهولة أن يمارس تمرينا من تمارين الإبستمولوجيا النقدية . لنشر إلى بعض الملاحظات: إن النص يتحدث عن ” وراثة القدرات ” ، في حين أن قوانين مندل لا تطبق إلا على وراثة السمات والخصائص والصفات الوراثية، ومن جهة أخرى فإن مفهوم ” الموهبة الموسيقية ” ملئ باللايقينيات والغموض : فخاصية أو صفة وراثية كالكلف أو النمش أو لون العينين مثلا هي متميزة جذريا عن ” قدرة ” ما ، وذلك لأن السمة لا تقبل الزيادة و لا النقصان . إننا يمكن أن نكون موسيقيين جيدين أكثر أو اقل، وهذه الخاصية تتوقف على حكم ذاتي، في حين أن سمة معينة يمكن أن تظهر أو لا تظهر في شخص ما. إن النقد الأول الذي يمكن توجيهه لهذا النص هو أنه يعرض دراسة بدون موضوع من جهة، كما أن التماثل هنا مع قوانين ” مندل ” هو أكثر من مشكوك فيه، ما دامت ” القدرة ” لا تظهر أو تظهر قليلا لدى النساء، وأنه لاحترام التوزيع الإحصائي، نفترض في عدد معين منها ” قدرة موسيقية مجهولة “، وهو ـ وذلك أقل ما يمكن أن يقال ـ ما يشكل فرضية ملائمة ad hoc. بيد أنه لكي تكون نظرية ما مقنعة، فإنها لا تطالب بمضاعفة الوقائع غير القابلة للتحقق والثوابت الخفية، ما عدا عندما تكون مسنودة من قبل مجموعة من التأكيدات غير المباشرة لها.
توضح هذه الدراسة السريعة كم هو موهم ومزيف تمديد نظرية محققة من ميدان تطبيقها إلى الظواهر التي لا تستطيع تفسيرها : وأسطورة النص المذكور ـ وكسبب ـ تتمثل في أن ” ميكانيزم الانتقال هو ميكانيزم مجهول “.إننا لا نستطيع ـ ما دامت الشفرة الجينية الإنسانية غير معروفة ورموزها غير مفكوكة ـ الحديث عن وراثة القدرات الذهنية، ووحدها المصالح السياسية، والتي هي فعلا ودائما محافظة أو رجعية ( فالعلماء هم أناس مثلهم مثل الآخرين ) يمكنها أن تحرك غواية خارج ـ علمية كهاته. ومما يشار إليه هو أن أنواع الضلال والغواية هاته تساهم في الغالب في رفض الاعتراف داخل مشكل وراثة القدرات، بمشكل هو ذو صبغة اجتماعية وليست بيولوجية.
علمنة غريبة لمفهوم ” الملكة الموسيقية “.
” إن دراسة كبريات الأسر والعائلات التي ينتمي إليها الرياضيون والموسيقيون والرسامون، تزودنا بمعرفة علمية عن وراثة القدرات، لكن بشرط تدخل (. . .) مجموعة كبيرة من الجينات. ميكانيزم هذا الانتقال غير معروف”.
ج.س. ديزيري وآلي
العلوم الطبيعية ( الأعمال الموجهة ) بورداس 1968
ص: 345


الأشكال المختلفة للإبستمولوجيا
لقد رأينا لحد الآن كيف تختلف المقاربات الإبستمولوجية ، وكما سنلاحظ في الخليط التالي ، فالإبستمولوجيا ليست مبحثا واحدا موحدا لا يقبل القسمة : إذ يمكننا أن نقول إنها مبحث يستعمل مناهج هي في غالب الأحيان علمية لكنها ذات مشارب وأصول مختلفة لدراسة العلم ( المنطق ـ التاريخ ـ علم الاجتماع ـ علم النفس . . . إلخ).
الإبستمولوجيا : مجموعة من المباحث.
” لا توجد الإبستمولوجيا العامة كمبحث موحد؛ فهي تتموضع عند تقاطع اهتمامات ومباحث جد متنوعة بأهدافها ومناهجها، والتي لا تدعي الاكتمال و لا الدقة ، تعطينا فكرة عن هذا التشتت.
 يوجد تقليد فلسفي قديم : أفلاطون ؛ أرسطو ؛ ديكارت ؛ كانط . . . إلخ، كل هؤلاء صاغوا نظريات عامة عن المعرفة ، تخص مختلف أنماط المعارف وأصولها ومنابعها ( عقل – خيال – تجربة . . . إلخ)، وكل هذه المساهمات نجدها مرتبطة في الغالب بمفاهيم دوغماطيقية ، إن لم تكن إمبريالية. غير أن المسائل الموضوعة بهذا الشكل لا زالت توجه عددا كبيرا من الأبحاث.
 لقد حاول العلماء والفلاسفة القيام بتجديد ” للمنهج العلمي ” بأكثر ما يكون من الدقة. لنذكر من بين مئات آخرين : وويل ، كلود بيرنار ، بوانكاريه ، دوهيم ، إينشتاين ، كارناب ، بوبر. ما هي البنية المنطقية لنظرية ما ؟ .. وكيف يمكن ” التحقق ” منها عن طريق الوقائع ؟ .. ما هو ” الاستقراء ” ؟ ..
 إن هذه الدراسات هي دراسيات قيمية بشكل واضح ؛ فهي تلح في الغالب على المعايير التي يجب على العلوم احترامها ، وتطرح مسألة ” قيمتها “.
 هناك أبحاث أخرى منذ عصر أوجست كونت ، وتخص علم اجتماع المعرفة ، لنذكر هنا ماركس ، دوركهايم ، ليفي برول ، فيبر ، لوكاش ، مانهايم ، سوروكين. التوجهات المعلن عنها من قبل هذه الأعمال جد مختلفة، غير أن ما يوحد فيما بينها هو المقاربة العامة التالية: إن المعارف لا تعتبر كبنيات مستقلة وشخصية ، وإنما كنشاطات اجتماعية مرتبطة بنشاطات اجتماعية أخرى في فترة تاريخية محددة.
 إن علم اجتماع العلوم هو تطبيق للمناهج السابقة في أبحاث جد محدودة : دراسة ” ميرتون ” حول ” التطهرية ، الجمود والعلم ” تعتبر دراسة تقليدية في هذا الباب. بعض العناوين المستخلصة من مجموعة باربر وهيرش ( علم اجتماع المعرفة 62) توضح تنوع هذه الأبحاث : ” لا مبالاة الأمريكيين بالأبحاث الإنسانية خلال القرن 19 “. ” الإنتاج العلمي والتنظيم الأكاديمي ” – ” خصومات الأسبقية ” – ” العلم والنظام الاجتماعي ” . . . دراسات أخرى تتمحور حول ” التيرموديناميك والدين ” . . . إلخ . هناك فكرة ذات أهمية بشكل خاص بالنسبة للإبستمولوجيا ، وتتعلق بـ ” الإجماع ” العلمي : النظريات هي ذات صلاحية نتيجة اتفاق جماعي ،يعتمد كإطار مرجعي معايير ليست كلها واعية و لا عقلانية بشكل مؤكد.
 يمكننا اعتبار أن كتابا ككتاب كوهن ” بنية الثورات العلمية ” يقيم رباطا بين بعض الأبعاد السوسيولوجية وبعض الأبعاد الإبستمولوجية للنشاط العلمي ( رغم ما يذكره الكاتب ، ورغم الأهداف المصرح بها للأعمال المذكورة ، لا يتعلق الأمر بسوسيولوجية العلم ، وإنما بدراسة العلاقات القائمة بين الأفكار العلمية وبعض الإيديولوجيات الدينية والسياسية . . .إلخ) .كتب كثيرة مخصصة لمختلف الأبعاد ل ” سياسة العلم ” و لـ ” تخصص ” العلماء. . . إلخ.
 لقد عرف تاريخ العلوم – بدون أن يكون هناك شرخ مع علم اجتماع العلوم – تقدما ملحوظا منذ بداية القرن 20 . وانطلاقا من مبدأ هذا العلم ، فإن صعوبات جمة تطرح : هل بالإمكان كتابة تاريخ للعلوم دون تأويل المعارف الإنسانية السابقة انطلاقا من المعارف الحاضرة، وبطريقة لا زمانية ومشوهة لتلك المعارف ؟ .. إن تاريخا وصفيا خالصا هو مهدد بإغفال دينامية التفكير العلمي ، غير أن ” تاريخا إبستمولوجيا ” هو مهدد بإقحام أحكام قيمية غير مناسبة ( حول ما كان يجب على عالم ما أن ” يفعله ” بالنسبة ” لأخطائه ” . . . إلخ).
لقد أوضح بعض الكتاب من أمثال أ. كويري أنه يمكن توظيف سعة الاطلاع للقيام بتفسير وتوضيح هو صارم ودقيق ومتفهم في نفس الآن.إن التمييز بين تاريخ (داخلي ) للعلوم يدرس خاصة تطور الأفكار العلمية وتبلور المفاهيم والنظريات، وتاريخ ( خارجي ) يهتم بشكل متزايد بالتدخل الاجتماعي في العلم ، وبخاصة تأثير ” الحاجات الاجتماعية ” والإيديولوجيات على المعارف العلمية، هو تمييز اصطناعي نسبيا ، لكنه ملائم ومناسب.
 يبدو أن سيكولوجية العلوم لا زالت في بداياتها، لكن البحث في مجال علم النفس الاجتماعي أوسع جدا من مجال التحليل النفسي. لقد تم التساؤل مثلا عما إذا لم يكن للاختصاصيين ( رياضيون – فيزيائيون أو بيولوجيون . . . ) جوانب نفسية خاصة ، أو عن ما هو ” تأثير السيرورات الرمزية اللاشعورية على ممارسة التفكير المنطقي وعلى الخطأ المنطقي في ميدان البحث العلمي”.تجدر الإشارة إلى المكانة الخاصة للدراسات المنجزة جماعيا تحت إشراف جان بياجيه : الإبستمولوجيا التكوينية. وكما يشير الإسم إلى ذلك ، فإن الهدف هو دراسة كيفية تمفصل مختلف مراحل المعرفة ( منذ الطفولة إلى علم البالغين ) مع الربط بشكل وثيق فيما بين التحليل المنطقي والتحليل السيكولوجي.
هناك البعض الذي يرى أخيرا أن الدراسة الإثنولوجية للمجتمع العلمي لن تكون بدون فائدة؛ وذلك بغرض دراسة ” طقوس المسارة ” العديدة والمعقدة التي تسمح بقبول ( الباحث ) ضمن إطار النخبة ، وتجعل منه إما : معلما – دكتورا – أستاذا – أكاديميا . . .” (شاتزمان ” العلم والمجتمع ” لافون 71 ص90).
بيير تويليي
ألعاب ورهانات العلم
لافون 72 ص ص : 54 – 57
الخاتمة:
و ما نستنتجه أخيرا من ما سبق أنّ الابستومولوجيا هي بمثابة المرآة التي يرى فيها العلم نفسه، فيقوّم أخطاءه و يسدّ فراغات النقصان، و ليقدم للبشرية مادة صافية تقبلها العقول.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الإطار ألمفاهيمي لفلسفة العلوم " الابستومولوجيا"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات طلاب جامعة ابو بكر بلقايد تلمسان الجزائر :: قسم العلوم الاجتماعية :: لمة طلبة الاجتماع-
انتقل الى: